محمد جواد مغنية
168
في ظلال نهج البلاغة
سؤال ثان : هل الرزق الحرام أيضا مقسوم ومقدر من اللَّه تعالى . الجواب : يستحيل في حقه سبحانه أن يحرم على الانسان أخذ المال بلا مبرر ، ثم يجعله رزقا له ، لأن ما حرم أخذه حرم عطاؤه . . بالإضافة إلى أنه تشجيع على الحرام وفعله . . ولكن إذا اختار الانسان رزقه من الحرام يتركه اللَّه وسوء اختياره ، وفي الوقت نفسه يحرمه من الرزق الحلال الذي كان مقدرا له ، ثم يحق عليه القول بنزول العذاب . وفي الآثار : ان السارق إذا سرق حسبه اللَّه من رزقه ، وكان عليه إثمه ، ولو صبر لنال ذلك من وجهه المشروع . وخير ما قرأت في باب الرزق قول الإمام الصادق ( ع ) : « أبى اللَّه سبحانه إلا أن يرزق المتقين من حيث لا يحتسبون وان لا تقبل لأوليائه شهادة في دولة الظالمين » . . وهذا ثابت بالحس والعيان . فالذي يتجر بالمحرمات يعرف دخله سلفا وقبل الأوان ، أما المتقون فعلى بابك يا كريم . ( فإن رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة ) . الغفيرة الزيادة ، وهي في الأهل كثرة الأولاد والأعوان ، وفي النفس العمر الطويل ، والجاه العريض ، والصحة الدائمة ، والمراد بالفتنة هنا ما يفضي إلى الحسد والغيرة ، أو الطمع والتودد الكاذب لأهل الجاه والمال يلتمس ما في أيديهم من حطام ، والمعنى ان الطيب الصالح يغض البصر عما في أيدي الناس ، ويترفع عن الحسد وغيره مما يشين ويهين ، ولا يتقرب إلى مخلوق إلا بما يرضي اللَّه والضمير . ( فان المرء المسلم ما لم يغش - بفتح الياء وسكون الغين - دناءة تظهر ) . أي لم يجترح سيئة تثبت عليه ( فيخشع لها ) يستحي منها ( إذا ذكرت ) ويتوارى عن الأعين خجلا من سوء ما يذكر به ( ويغري بها لئام الناس ) يحملهم على هتك ستره ونشره في الملأ ، ويفتضح حيث الفضيحة به أولى ( كان الفالج ) الرابح ( الياسر ) المقامر ، من اللعب بالميسر أي بالقمار ( الذي ينتظر أول فوزه من قداحه - أي السهام التي يلعب بها في القمار - توجب له المغنم ، ويرفع بها عنه المغرم ) . أي ان الذي يجترح السيئات مثله كمثل المقامر الرابح ينتظر أول كسب . يجلب له نفعا ، ويدفع عنه ضرا . . مع وجود الفارق بين الاثنين ، ولذا قال الإمام ( ع ) :